ابن عجيبة
564
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : والذين جمعوا بين توحيد عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية سندخلهم جنة المعارف ، تجرى من تحتها أنهار العلوم ، خالدين فيها أبدا ، وعدا حقا وقولا صدقا . ومن أصدق من الله قيلا ؟ وهذا الوعد لا ينال بالأمانى مع البطالة والتواني ؛ وإنما ينال بالأعمال الصالحة والمقاصد الخالصة ، كما قال تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 123 ] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) قلت : اسم ليس ضمير الأمر ، أي : ليس الأمر بأمانيكم . يقول الحق جل جلاله : لَيْسَ هذا الوعد الذي ذكرت لأهل الإيمان ينال بِأَمانِيِّكُمْ أي : تمنيكم أيها المسلمون ، ولا بأمانى أَهْلِ الْكِتابِ ، أي : لا يكون ما تتمنون ولا ما يتمنى أهل الكتاب ، بل يحكم الله بين عباده ويجازيهم بأعمالهم . روى أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نحن أولى منكم ، نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضى على الكتب المتقدمة ، فنزلت . وقيل : الخطاب مع المشركين ، وهو قولهم : لا جنة ولا نار ، أو قولهم : إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم وأحسن حالا . وأماني أهل الكتاب : قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ و لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ثم قرر ذلك فقال : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ عاجلا أو آجلا ؛ لما روى أنه لما نزلت قال أبو بكر : من ينجو مع هذا يا رسول الله ، إن كنا مجزيين بكل سوء عملناه ؟ فقال له - عليه الصلاة والسلام - : « أما تحزن ؟ أما تمرض ؟ أما يصيبك اللأواء ؟ « 1 » قال : بلى يا رسول الله ، قال : هو ذلك » . فكل من عمل سوءا جوزي به ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يليه ويدفع عنه ، وَلا نَصِيراً ينصره ويمنعه من عذاب الله . الإشارة : لا تنال المراتب بالأمانى الكاذبة والدعاوى الفارغة ، وإنما تنال بالهمم العالية ، والمجاهدات القوية ، إنما تنال المقامات العالية بالأعمال الصالحة ، والأحوال الصافية ، وأنشدوا :
--> ( 1 ) اللأواء : الشدة وضيق العيش .